أبو نصر الفارابي
65
الأعمال الفلسفية
الحكيم أنّ الاستعداد هو نفس الهيولى لأنّ « البسائط تحدّ بحدّ يشتمل على الجنس والفصل ، وليس الجنس والفصل موجودين في المحدود حتى يكون المحدود له جزءان ، بل هما جزء الحدّ . » وفي مجال آخر يتحدث الفيلسوف عن طبيعة الإنسان - من حيث هي تلك الطبيعة - فيرى أنّها غير كائنة ولا فاسدة ، بل هي مبدعة ، ولكنها مستبقاة بأشخاصها الكائنة الفاسدة ، وكونها هذا الإنسان الفرد تخضع عندئذ لمفهوم الكون والفساد . أمّا المعقول من الشيء فلا يخضع لهذا التغيّر لأنّه معقول لذاته ؛ ولأنّ معقوليته هي بعينها وجوده المجرّد عن المادّة وعلائقها . ويتساءل الفارابي - في ضوء « تعليقاته » هذه - عن دلالة الحكمة فيقول : إنّها معرفة الوجود الحقّ ؛ والحكيم هو من عنده هذه المعرفة ، وأنّ الوجود الحقّ هو الغاية ؛ حيث ينتهي إليه كلّ شيء . وكلّ غاية فهي خير ، فالواجب الحقّ إذن خير مطلق ، تامّ القدرة ، وإنّ علمه بالأشياء يكون كلّيا ، فهو كامل في جميع أفعاله ، وكذلك في وحدته ، وأنّ الوحدة لازم من لوازمه ، وموضوعات تلك الوحدة لا تقوّمها ، بينا الصور المادّية والأعراض وجودها لا يكون إلّا في موضوعاتها ولا يصحّ الانتقال عنها . ومن هنا فالنفوس المادّية - كما يقول أبو نصر الفارابي - هي صور مادّية ، أمّا النفس الإنسانية فليست كذلك ؛ لذا لم يجز الفيلسوف انتقالها من بدن إلى آخر ؛ حيث أنكر ، بموقفه هذا ، نظرية التناسخ المعروفة في تاريخ الفكر الإنساني قديما وحديثا . ويستعرض الحكيم خلال رحلته القصيرة هذه أمورا عديدة أخرى وبشكل ينحو فيه نحو الإيجاز ، فيتحدث عن النار والبخار